مولي محمد صالح المازندراني

38

شرح أصول الكافي

( فقال له : هشام إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب ) ها بالقصر وهاء ساكنة الألف وهاء بمدّها وفتحها وهاك كلّها اسم فعل بمعنى خذ ولهذا الجواب وجهان . أحدهما وهو المقصود انطباع صورة المرئي في الجليدية على نحو الوجود الظلّي كما هو مذهب الطبيعيّين من أنَّ الإبصار بالانطباع . وثانيهما دخول عين المرئي المتقدَّر بالمقدار الكبير فيها من غير أن يصغر أحدهما أو يكبر الآخر وهذا محالٌ والمحال لا يتعلّق به القدرة وعدم تعلّقها به لا يوجب العجز كما يدلُّ عليه ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد باسناده عن عمر بن أذينة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قيل لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : هل يقدر ربّك أن يدخل الدُّنيا في بيضة من غير أن تصغر الدُّنيا وتكبر البيضة ؟ قال : « إنَّ الله لا ينسب إلى العجز والّذي سألتني لا تكون » يعني أنَّ الله لا يعجز عن شئ من الممكنات والّذي سألتني عنه محال لا يتعلّق به القدرة وعدم تعلّقها به لا يوجب العجز والنقص إذ لا نقص فيها وإنّما النقص في المحال لعدم كونه قابلاً للوجود . فإن قلت : الدَّيصاني سأل عن قدرته على إدخال عين المقدار الكبير في الصغير لا على إدخال صورته فيه فليس هذا الجواب جواباً عنه قلت : الجواب صحيح واقع على وفق الحكمة والمقام . بيان ذلك أنَّ الدَّيصاني لمّا كان منكراً لوجود الرَّبِّ القادر وكان غرضه من هذا السؤال إلزام القائلين بوجوده فلو أجيب بأنّه يقدر على الإدخال العيني كان الجواب غير مطابق للواقع لكون هذا الإدخال محالاً فلم يكن له مصداق في المحسوسات والسائل لا يحكم إلاّ بما فيها ولو أجيب بأنّه لا يقدر عليه لأنّه محال وعدم تعلّق القدرة لا يوجب العجز كما أجاب به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رسخ بذلك عدم قدرته على الإطلاق في ذهنه وازداد جهله وحصل غرضه على زعمه ( 1 ) فالحكمة

--> 1 - « غرضه على زعمه » قلنا في غير هذا الموضع : إن لبعض المعاني لوازم عرفية يتبادر الذهن منه إليها وإن لم تلزمه عقلاً وقد مثل لذلك أهل المنطق بالحاتم والجود ومثله الياقوت يتبادر منه اللون الأحمر وإن وجد منه قسم أصغر أو أبيض ومخلوقية العالم يتبادر منه الحدوث وقدمه يتبادر منه الاستغناء عن المؤثر وإن لم يلزمه عقلاً وقد يعكس فيلزم شئ عقلاً ولا يلزمه عرفاً مثل الجسمية فإنها تستلزم الحدوث عقلاً لا عرفاً ولذلك يمكن للناس أن يتصوروا الواجب تعالى جسماً حتى يثبت عليهم بالبرهان أنه ليس بجسم وعلى العالم أن يلاحظ ذلك ولا يتكلم بشئ يذهب ذهن السامع منه إلى خلاف مراده باللزوم والعرف ، فإن قال أحد إن العالم قديم زماناً ذهب ذهن المستمع إلى أنه غير مخلوق وإن قال : إن الله تعالى تحت قدمي ذهب الذهن إلى قصد التوهين وإساءة الأدب ، وإن قال إنه تعالى فوق رأسي لم يذهب إلاّ إلى التعظيم وكلاهما باطلان بمعنى التحيز وصحيحان بمعنى استيلاء القدرة والقرب بالعلم أيضاً وليس كل أحد يفرق بين الممكن والمحال فيقولون إن صعود الجسم الثقيل إلى فوق محال وفلق البحر لموسى ( عليه السلام ) محال وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص محال وإن قيل لهم إن قدرته تعالى لا تتعلق بالمحال ذهب ذهنهم إلى جميع هذه الأمور فأنكروا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء فلا بد أن يعرفهم أولاً معنى المحال وإثبات أن هذه أمور ممكنة ثم لا بأس بأن يقال قدرته تعالى لا تتعلق بالمحال إذا فرق بين إحياء الموتى وإدخال العالم في بيضة . ( ش )